مشهد المحاكمة في فيلم القارئ: صراع العلم والجهل
"خلف الأكاذيب الغامضة ثمة حقيقة ستجعلك تشك في كل ما تعرفه".
المدان هنا نساء,
والقضاة رجال, وفي هذا السياق يمكن استدعاء كل تاريخ التمييز الذكوري ضد المرأة.
تُحاكم آنا شميتز, (كيت
وينسلت), إلى جانب حارسات أخريات بتهمة الاشتراك في قتل 300 من النساء اليهوديات في
المعتقل المكلفات بحراسته. تُجسِّد آنا في مشاهد المحاكمة دور الضحية أو كبش الفداء.
تُظهر إحدى اللقطات واحدة من المتهمات, رقم 2, وهي تحيك ثوبًا ولا يبدو عليها
القلق أو الاهتمام, ولقطة أخرى لمتهمة رقم 5 وهي تُحدق في آنا وكأنها عضوة محلفين
لا متهمة. وتتصاعد ذروة التنصل من المسؤولية وإلقائها على آنا مع صراخهن أنها هي الفاعلة.
يخبرها القاضي إن بقية
المدعى عليهن قمن باتهامها, وأنها هي من كتب التقرير.
يسألها القاضي:
"هل قمت بكتابة هذا التقرير؟".
آنا: "لا. لا. لقد
ناقشنا جميعاً ما سنقوله. لقد كتبناه جميعاً".
تصرخ المتهمات:
"هي من كتبته. هي من كتبت التقرير".
آنا: "لا يهم من
كتبه".
القاضي: "أريد أن
أرى عينة من خط يدك لأثبت من قام بكتابة التقرير".
توضع ورقة وقلم على
الطاولة أمامها. ولأول مرة خلال المحاكمة ينتاب آنا التوتر والقلق والهلع. تستمر
آنا في التحديق للورقة والقلم ثم تقول أخيراً: "لا حاجة لذلك. أنا كتبت
التقرير"!
اتخاذ آنا كبش فداء,
دلالة عبَّر عنها طالب القانون, ثم أستاذ القانون قائلاً:
"ثمانون ألف شخص
يعملون في أوشفيتز, وعلى وجه الدقة 19 شخصاً فقط أُدينوا و 6 فقط ارتكبوا جرائم
قتل. لإثبات جريمة قتل, عليك أن تثبت نية العمد. هذا هو القانون".
السجن المؤبد أو العار!
كانت آنا تملك دليل
براءتها؛ فهي لا تجيد القراءة والكتابة, لكن لأنها تخجل من أُميتها, فقد اعترفت
بذنب لم ترتكبه!
وطوال جلسات المحاكمة
كان وجه آنا يقطر براءة حتى وهي تجيب بـ "نعم" على الأسئلة التي لا يمكن
إثبات صحتها.
وحين تقول: "لا
يهم من كتب التقرير", وتعترف بأنها هي من كتبه, فهي مهمومة بإثبات قدرتها على
القراءة والكتابة أكثر من الدفاع عن نفسها!
ترى آنا في الأمية جريمة
أكبر من جرائم القتل التي بسببها أُعتقلت وأدينت. ولأنها تدرك في قرارة نفسها أنها
شريكة في تلك الجرائم لم تبذل جهدًا للدفاع عن نفسها. عبَّرت ملامح وجهها عن براءتها
أو عن كونها ضحية أو كبش فداء. لكن الجريمة الأكبر التي تعتقد أنها غير بريئة منها
ولم تعترف بها لتنال براءتها هي أُميتها.
اعتراف آنا بأنها هي من
كتبت التقرير جعلها المتهمة الرئيسية وبقية المتهمات مشاركات فقط, ولهذا حُكم
عليهن بالسجن لمدة أربع سنوات, أما آنا فقد حُكم عليها بالسجن مدى الحياة. وفي
السجن تقضي آنا مدة حكمها في تعلُّم القراءة والكتابة, عن طريق أشرطة مسموعة
لروايات يسجلها بصوته صديقها الشاب الذي أصبح محامياً. وهي بهذا تثبت تهمة
زميلاتها وتدين نفسها- من تهمة هي بريئة منها- لكنها ستتخلص من عار أكبر هو الأمية.
صراع العلم والجهل
المضمر في قصة الفيلم
ومشهد المحاكمة هو الصراع بين الجهل والمعرفة, بين الحقيقة والأكاذيب, بين الظاهر
والباطن. لقد كان كتاب (أُم وابنتها: قصة نجاة) الذي ألفته إيلانا ماذر هو دليل
الاتهام ضد الحارسات الست.
يسألها القاضي, وهو
يشير إلى الكتاب في يده: "هل هذا الكتاب مألوف لديك؟" تجيب آنا:
"نعم". وهي بذلك لا تريد أن تظهر بمظهر الجاهل.
مدة المشهد نصف ساعة
تقريباً, من الدقيقة الخمسون إلى الدقيقة الثمانون يتخلله مشاهد قطع قصيرة. وبهذا
فمشهد المحاكمة يشكل ثلث الفيلم تقريباً. في بداية مشهد المحاكمة تصف واحدة من
طالبات القانون المحكمة بأنها "سيرك". ويصفها لاحقاً طالب قانون:
"في البداية وثقتُ
في المحاكمة, اعتقدت أنها عظيمة, والآن أعتقد أنها منحرفة... لقد تم اختيار ست
نساء ووضعهن في المحكمة باعتبارهن أكثر الناس شراً؛ لأن واحدة من الضحايا قامت
بتأليف كتاب! لهذا السبب يحاكمن وليس أحداً غيرهن. هل تعلم كم كان عدد المخيمات في
أوروبا؟! الجميع كان يعرف. السؤال هو: كيف أمكن أن ندع مثل هذا يحدث؟!"
لسان حال الطالب يقول:
جميعنا يجب أن يُحاكَم وليس هؤلاء النسوة فحسب!
وبهذا فطالب القانون لا
يتحدث عن جريمة قد وقعت بقدر ما يحيل إلى جرائم تحدث أمام أنظارنا ونقف إزائها
عاجزين أو متفرجين.
إن موقفاً كهذا يجعلنا جميعًا أُميين, ونستحق السجن مدى الحياة.
رياض الحمادي



تعليقات
إرسال تعليق